الهالوين: من طقوس الأرواح إلى مهرجان التنكّر العالمي

ماكس MAX: الهالوين ليس مجرّد أقنعة ويقطين برتقالي؛ إنّه قصة طويلة تمتد من أصل الهالوين في الطقوس الزراعية القديمة إلى تحوّله لواحدة من أوسع المناسبات الثقافية والاقتصادية في العصر الحديث.

لماذا عُرف بـ “عشية كل القدّيسين” وكيف أصبحت أزياء الهالوين والحلوى والديكور صناعةً موسمية بمليارات الدولارات، موقع ماكس MAX يجيب على جميع هذه الاسئلة ليضع بين يديك دليلاً موثقًا للهالوين من الجذور إلى الجدل وصولًا لتأثيره الثقافي والاقتصادي.

الهالوين: من طقوس الأرواح إلى مهرجان التنكّر العالمي

أصل الهالوين وتاريخه

تؤكد موسوعة بريتانيكا أن أصل الهالوين يرتبط بمهرجان سامهاين لدى الأقوام الكلتية في أيرلندا واسكتلندا وما حولهما قبل أكثر من ألفي عام؛ إذ كان يرمز إلى نهاية موسم الحصاد وبداية الشتاء، ويُعتقد فيه أنّ الحاجز بين عالمي الأحياء والأرواح يرقّ في تلك الليلة، فتعود الأرواح لزيارة البشر، لذلك توقد النيران وترتدى الأقنعة والملابس الغريبة اتقاءً للشر أو تمويهًا له.

ومع انتشار المسيحية، تبنّت الكنيسة بعض الطقوس في إطار جديد، فقد خصّص البابا غريغوري الثالث يوم الأول من نوفمبر لتكريم جميع القدّيسين، ثم عمّم غريغوري الرابع هذا العيد على الكنيسة بأسرها، لتصبح ليلة 31 أكتوبر “عشية جميع القدّيسين” التي تحوّلت تدريجيًا في اللفظ الشعبي إلى “هالوين”.

الهالوين: من طقوس الأرواح إلى مهرجان التنكّر العالمي

الهالوين والرموز الشعبية

لعلّك رأيت قِرعًا منحوتًا بملامحٍ مخيفة يتوهّج من داخله، أو أطفالًا بملابس تنكّر يطرقون الأبواب طلبًا للحلوى؛ وراء هذه الصور المتداولة حكاياتٌ قديمة تشكّل جوهر هذه الطقوس اليوم.

بحسب موقع “هيستوري” يتم استخدام جذور القِرع المنحوت باعتباره مرتبطًا بأسطورة أيرلندية عن “جاك البخيل” الذي حُكم عليه بأن يهيم في الظلام حاملًا شعلة داخل لَفتة مُجوّفة، ومع الهجرات الأيرلندية إلى أمريكا في القرن التاسع عشر، استُبدلت اللفتة باليقطين لوفرة محصوله وسهولة نحته، فأضحى رمزًا بصريًا ثابتًا للهالوين.

أمّا الأزياء فهي امتدادٌ مباشر لتقاليد التنكّر القديمة التي هدفت إلى إرباك الأرواح أو التخفّي عنها، قبل أن تصبح عادة اجتماعية واسعة تشمل الأطفال والبالغين، أما عن عادة الخدعة أم الحلوى “تريك أور تريت“، فتعود جذورها إلى ممارسات أوروبية في العصور الوسطى حيث كان الزائرون يطرقون الأبواب لقاء الدعاء للأموات أو إنشاد التراتيل، ثم وُثّقت لأول مرة عبارة “الخدعة أم الحلوى” في كندا عام 1927 قبل أن تنتشر لاحقًا في الولايات المتحدة بعد منتصف القرن العشرين.

تحول الهالوين إلى حدث اجتماعي واسع في الولايات المتحدة يتضمن حفلات تنكّر، مواكب محلية، مسابقات نحت القرع، وزينة تمتدّ أسابيع، فيما لعبت السينما ومنصّات البث دورًا رئيسًا في توسيع صورته كحدث بصري يجمع الخوف الممتع والمرح العائلي؛ وبعدها أصبح أكثر حضورًا في الإعلام المعاصر عبر الأعمال الفنية والبرامج الوثائقية والتغطيات الصحفية الموسمية.

الهالوين: من طقوس الأرواح إلى مهرجان التنكّر العالمي
احتفالات موسم الرعب في الرياض بعد أن تحوّلت منطقة بوليفارد رياض سيتي إلى حفلة تنكّرية شاملة خلال فعالية «سكيري ويكند».
(صورة: عرب نيوز/صالح الغنّام)

الهالوين في الثقافة العربية والإسلامية

بوصف العالم العربي فضاءً يغلب عليه الطابع الإسلامي، يظهر الهالوين فيه كحالة مركّبة يتجاور فيها الترفيه المنظَّم مع نقاشٍ ديني وثقافي حول الملاءمة والقيم، وتختلف الممارسة باختلاف السياسات المحلية والفتاوى الشرعية.

في الإمارات يتشكّل الحضور أساسًا بطابعٍ عائلي ترفيهي؛ وتقام فيها فعاليات موسمية مناسبة للعائلات في دبي وأبوظبي من مسابقات تنكّر وأنشطة للأطفال إلى برامج ترفيهية في المراكز والوجهات السياحية وهو ما يعكس تنظيمًا مدنيًا يراعي القوانين والذوق العام.

أما في السعودية برزت فعالية تنكّر واسعة ضمن موسم الرياض 2022 بعنوان “سكيري ويكند” في منطقة البوليفارد، وقد رصدت تغطياتٌ صحفية مثل آراب نيوز و الإندبندنت تفاعلًا جماهيريًا كبيرًا بالتوازي مع انقسامٍ في الآراء حول حدود الترفيه والملاءمة الثقافية، بوصفه جزءًا من تحوّلات المشهد الترفيهي في المملكة.

أمّا في الأردن فاختار المسار التنظيمي الحذِر، ففي عام 2014 تم حظر تنظيم احتفالات الهالوين العامة باعتباره إجراءً استباقيًا لتفادي احتكاكات أو اعتداءات، وعلى مستوى الخطاب الديني، تميل دار الإفتاء المصرية في فتاوى منشورة إلى إباحة المشاركة الاجتماعية المشروطة بوصف بعض هذه المناسبات “اجتماعية” وليست “أعيادًا” شرعية، مع اشتراط عدم مخالفة العقيدة والضوابط، بينما تتجه جهات إفتاءٍ أخرى خارج العالم العربي مثل “مفتي وِلاية كوالالمبور في ماليزيا، إلى المنع الصريح والقول بعدم جواز الاحتفال بالهالوين، وتكشف هذه الأمثلة أنّ حضور الهالوين عربيًا ليس حالة واحدة بل طيفٌ من الممارسات المنظَّمة والتحفّظات الدينية ونقاشات الهوية في زمن العولمة.

الهالوين: من طقوس الأرواح إلى مهرجان التنكّر العالمي

يقدر الاتحاد الوطني لتجارة التجزئة في الولايات المتحدة إنفاق موسم عام 2025 بنحو 13.1 مليار دولار وهو رقم قياسي يتوزّع بين الحلوى والديكور والأزياء ومستلزمات الزينة المنزلية—بما يرسّخ الهالوين كصناعة موسمية متكاملة. وتستبق العلامات التجارية والمتاجر الموسم بحملات تسويق رقمية وتلفزيونية وتعاونات مع صانعي المحتوى، مع إعادة ترتيب الواجهات والعروض الترويجية؛ فيما تضخّ دور السينما ومنصّات البث موجاتٍ من أفلام وبرامج الرعب، فتغذّي الدورة الاقتصادية والثقافية التي تدفع الهالوين إلى صدارة الاهتمام كل خريف.

من مهرجان سامهاين إلى “عشية جميع القدّيسين”، قطع الهالوين مسارًا طويلًا عبر التاريخ والدين والتجارة. تتبدّل رموزه وطرائق الاحتفال به من مجتمع إلى آخر، لكنه يحتفظ بجوهر يجمع اللعب بالمخاوف والاحتفاء بالجماعة. فهل هو ظاهرة ثقافية تعبّر عن تبادل الرموز بين الشعوب، أم مناسبة تجارية خالصة؟ الأرجح أنّه مزيجٌ من الاثنين، ولعلّ الجزء الثاني يتتبّع تاريخ الهالوين في السينما وأثره على صناعة الرعب ومخيّلة الجمهور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى